إعلامي ذو احتياج خاص جداَ

إعلاميّ ذو احتياج ” خاص جداً “

ديانا الخياط

أكواب قهوة، علب دخان و أعقاب سجائر، مراحيض تفيض أرضيتها بالمناديل الورقية، نفايات متناثرة ملقاة بلا اكتراث، تملؤ مرافق الجامعة منتظرةً عامل النظافة ” أحمد ” لانتشالها.
لم يكن الشاب أحمد يوسف (23 عاماً)، و الذي عاش طفولة مرفّهة في الإمارات، يعلم بأنه سيصبح يوماً ما أحد عمال النظافة في جامعة بيرزيت بدلاً من تحقيق حلمه بأن يكون أحد طلابها، لكن الحاجة، القدر، و الإصرار على إكمال دراسته اجتمعوا ليجعلوا من حياة أحمد نموذجاً للإرادة ودافعاً قوياً للسعي وراء طموحه.

العودة إلى الصّفر !

أنهى أحمد دراسته الثانوية بمعدّل 73 % فاضطره الوضع المادي الصعب لدراسة إدارة الأعمال في جامعة القدس المفتوحة، إلا أن عدم رغبته في التخصص دفعته إلى إيقاف دراسته فيها. وفي عام 2008 التحق أحمد بفرع “جامعة لاهاي” في فلسطين لدراسة الإعلام، التخصص الذي لطالما تمنّى دراسته، و لكن الظروف المعيشية الصعبة التي طرأت على عائلته أجبرته أن يكون عامل نظافة و بأجر متدني لا يتجاوز الألف و مئتان شيقل يمكّنه من إكمال دراسته الجامعية، خاصة و أن والده أصبح عاطلاً عن العمل بعد العودة من الإمارات بالرغم من حصوله على درجة الماجستير في العلوم الزراعية و خبرة لأكثر من عشرين عاماً.

“لاهاي” غير المعترف بها من قبل وزارة التربية و التعليم العالي، شكلت عبئاً إضافياً على كاهل أحمد زاد من معاناته اليومية و فتك بأحلامه في إكمال تعليمه الجامعي، فالجامعة التي تعتمد نظام التعليم عن بعد، كانت قد وعدت طلابها  بالحصول على الاعتراف خلال فترة قصيرة، إلّا أن ما واجهته من تشكيك فيها و علامات الاستفهام العديدة حولها بالإضافة إلى عدم إلإيفاء بوعودها، دفعت أحمد إلى إيقاف دراسته فيها بعدما كان قد أنهى 52 ساعة دراسية. كما أن الأبواب الكثيرة التي أوصدت في وجهه عند التوجه للمؤسسات الإعلامية والتي رفضت إعطائه أي فرصة للتدريب كانت سبباً هامّا وراء تركه الجامعة.

يأسٌ و عمل

يبدأ يومه كسائر الأيام التي أنهكت عقله و جسده، يباشر مهام التنظيف في أرجاء الجامعة، يقترب من شابين يجلسان على مقعد خشبي، يمشي بخطوات متثاقلة، ينحني ليرفع الأوساخ من تحتهما، يرفعا قدميهما في حركة لم تبق من إنسانيتهما شيئاً، يتنهّد و ينأى بجسده الغاضب بعيداً، كان الصمت الخيار الوحيد أمام أحمد للحفاظ على عمله، إلا أن إحساسه بالذلّ و القهر الذي لم يفارقه يوماً، جعله يفقد أعصابه عندما قامت شابتان بالتراشق بالماء بعدما كان قد انتهى من تنظيف المكان لتوّه، فانفجر صارخاً: ” انتو ما بتستحوا؟ ما بتعرفي شو يعني تكوني منظفة و ييجي حدا ببساطة يخرب كلّ شغلك؟ ” كان الثمن شكاوى يقدمها الطلاب على معاملة أحمد وأسلوبه. لم يكن في أيام أحمد جديد سوى مواقف الطلاب التي كانت بمثابة الصاعقة بالنسبة له، فلم يصدق بأن هذه الأفعال تأتي من طلاب جامعة من المفترض أنهم يتمتعون بقدر من الوعي و احترام الآخر. ” كان عندي مشكلة نفسية كبيرة إني أتأقلم مع الوضع الجديد و النفسيات الموجودة عند قسم كبير من الطلاب و النظرة السيئة للعمل الذي أمارسه و اللي كتير ناس بتحتقره خاصة إني فجأة لقيت حالي محروم من دراستي” هكذا يصف أحمد وضعه أثناء العمل بالجامعة. و يضيف: ” مرات كنت بوصل لمرحلة إني أدعي على حالي أموت و بكون متمني الموت مش بس دعوة بلحظة يأس، كانت فعلاً مرحلة مليئة باليأس “. معاناة أحمد لم تقف عند المعاملة السيئة من قبل الشركة، بل تعدّت ذلك لتصل إلى حرمان أحمد و زملائه من أتعابهم، بعد انتهاء عقدها مع الجامعة.

حاول أحمد بالتعاون مع زملائه في العمل المطالبة بتحسين أوضاع العمال و رفع أجورهم عن طريق القيام بإضراب، إلا أن هذا الأمر لم يؤدِ إلا إلى تفاقم وضعه، فقامت الشركة بعزله في مبنى الرياضة، و جعل أي عمل له خارج المبنى مراقباً، فيقول: ” عندما علمت إدارة الشركة بالموضوع هددتنا بالفصل إلا أنها لم تستطع التخلي عنا بسبب كمية العمل الهائلة التي كنا نقوم بها بالإضافة إلى خبرتنا، و كنت أسرق الوقت من العمل و أذهب للقراءة في المكتبة كردّ فعل على معاملة صاحب العمل السيئة “.

كانت الكتب هي الملجأ الوحيد لأحمد، يهرب فيها من ضغوطات يومه، فيحاول الاختباء بين سطور روايات حنّا مينة وعبد الرحمن منيف، متناسياً واقعاً يجعله يتمنى الموت في كل لحظة ليتوه في عالمه المفضّل، يستلقي خلال أوقات الراحة في أحضان قراءات الأدب و النقد و التاريخ و علم النفس، محاولاً بذلك مواساة نفسه المتّشحة بألوان الحزن و بمعاملة الطلاب الطبقية له .

غياب قانون الأحلام

في أيلول عام 2010 ترك أحمد العمل في الجامعة و دخل الكلية العصرية للحصول على دبلوم في الإعلام، بعد أن تكفّل زوج خالته بتكاليف تعليمه، مُخرجاً بذلك أحمد من كابوس العمل الذي لازمة طيلة 31 شهراً متواصلة، ليكون بذلك قد حقق حلمه بدراسة التخصص الذي يرغب. أنهى أحمد دراسته هذا العام و تخرج بتقدير امتياز، لكن الحظ السيّء أصرّ على ملاحقته؛ فغياب قانون “التجسير” لطلبة الدبلوم في الأراضي الفلسطينية، قضى بحرمانهم من إكمال تعليمهم في الجامعات سواء بالحصول على درجة البكالوريوس أو الدراسات العليا، مما شكّل نكسة أخرى في مشوار حياته. رغم مرارة واقع حرمانه من التعليم هذا، إلا أن أحمد اليوم يمارس مهنة الصحافة بشغفٍ كما كان يحلم متحدّياً  إجحاف القوانين و حالماً بواقع أفضل .

قليلون هم الشباب الذين يشبهونه، قليلون من لديهم إرادته و قوّته، إرادته التي صنعت منه إنساناً مميزاً يركض خلف أحلامه ، فبعدما كان مثقلاً بالهمّ و اليأس متمنياً الموت، أصبح اليوم يفخر بتجربته و يقارنها بتجارب كبار الكتاب الذين بدؤوا حياتهم بالأعمال الشاقة و البسيطة أمثال حنّا مينة و هاني السّعدي، و يتحدّث عنها بإيجابية لم أشهدها من قبل، فيقول : ” هاي التجربة كتير مهمة و اليوم أنا بشوف إني منيح إللي عشتها، لإنها أطلعتني على أشياء ما كنت بعرفها ، خلتني أعتمد على حالي و علمتني الصبر وأهم إشي إني قدرت أكسب ثقة إعلاميين مهمّين في البلد “.
رغم مرارة التجربة وعمق ذكريات أيامه المؤلمة إلا أنك عندما تقابل أحمد لا يمكنك تجاهل بريق الأمل في عينيه و تفاؤله الكبير بالمستقبل الذي يرى فيه نفسه روائياً مشهوراً . 

تقرير حول غلاء الأسعار في مطاعم رام الله

مطاعم رام الله: أطباق محلية وأسعار عالمية والخدمة
” تحميل جمايل “

 ديانا الخياط

إذا قصدت أحد مطاعم رام الله لتناول وجبة غداء فإن فاتورتك ستتجاوز الخمسون شيقلاً كأدنى حد، ففي رام الله فقط تحصل على وجبة محليّة بأسعارٍ عالمية ، وفي رام الله أيضاً يصل سعر فنجان القهوة إلى 12 و المياه المعدنية إلى 10 ! ولا يقف الأمر عند أسعار مطاعمنا التي أصبحت تضاهي أسعار الدول الأوروبية وحسب ، بل يصل إلى انتشارها بشكل كبير لدرجة أنك أصبحت تجد بين كل مطعم ومطعم؛ مطعماً ، إلا أن المواطن لا يجد له متنفسا سواها نظرا لما يعيشه من ضغط نفسي جراء الوضع الاقتصادي السيء و الاحتلال الذي يعدّ السبب الرئيسي وراء معاناته .

فسحة راحة ؟!

في ظل غياب وسائل الترفيه في المدينة تعتبر المطاعم والمقاهي العامة هي المتنفس الوحيد للسكان، ترى سناء سمّودي، ( 44 عاما )، معلمة بأن “هناك إقبال كبير على المطاعم بالرغم من غلائها، والسبب في ذلك هو الضغط الذي يعيشه المواطن الفلسطيني فيجد فيها متنفس يرفه فيه عن نفسه ” وأضافت سمودي : ” الأسعار في رام الله غير مناسبة مقارنة بمدينة جنين مثلاً، خاصة مع اختلافها بين مطعم وآخر، كما أن الخدمات المقدمة لا تكون بمستوى الأسعار “. وأشارت بأنها مع وضع رقابة على أسعار المطاعم حتى لا يشعر المواطن بأنه مغشوش و ” مضحوك عليه ” على حدّ تعبيرها.

أزمة ثقافية !

الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الشعب الفلسطيني والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي شهدتها الفترة الأخيرة تزامنت مع موجة غلاء كبيرة شملت كافة مرافق الحياة والتي من ضمنها المطاعم، مما شكل عبئاً إضافياً على كاهل المواطن. طالبة الهندسة المعمارية في جامعة بيرزيت سلام فرسان، (21 عاما)، تقول : ” أسعار المطاعم في رام الله غير متناسبة وغلاء المعيشة الذي شهدناه في الفترة الاخيرة، حيث زادت المطاعم والمقاهي من أسعارها أيضا وهذا يزيد الأعباء على المواطنين، خاصة و أن الشباب ليس لديهم ملجأ غير المقاهي التي يجلسون فيها بالساعات”. وحول فرض نظام رقابة على الأسعار وتوحيدها تقول فرسان: ” انا مع فرض نظام مراقبة و وضع سقف أعلى للاسعار، ولكنني لست مع توحيد الأسعار لأن هناك فروقا اقتصادية بين المدن الفلسطينية، فمن الصعب أن نضع سعراً موحدا لكافة المناطق ، ولكن بالتأكيد يجب إيجاد فرقاً معقولاً يتناسب مع الحالة الاقتصادية للسكان “.

يرى البعض بأن المشكلة تكمن في كون رام الله عاصمة اقتصادية وفي الثقافة الاستهلاكية لسكانها مقارنة بغيرها من المدن الفلسطينية وهو ما أشار إليه طالب هندسة البناء في جامعة النجاح الوطنية، ماجد دغلس، (22 عاما)، بقوله: ” المشكلة بالأصل في الثقافة الاستهلاكية التي تنخر بالمجتمع و التي تجعل أسعار المطاعم في ارتفاع دائم، كما أن الفرق في الأسعار بين رام الله وغيرها من المدن كبير والسبب أن المدن الفلسطينية الاخرى ما زالت تحافظ على متانة علاقتاتها الاجتماعية على عكس رام الله التي يجمع سكانها ثقافة الاستهلاك والدولار”. في حين أن هناك فئة أخرى في المجتمع والذين يمكن تسميتهم ب “علية القوم” ، لا تشعر بالغلاء وترى أسعار المطاعم ملائمة، فتقول ناديا سباعنة ، (28 عاما)، أستاذة الهندسة الكهربائية في جامعة بيرزيت : ” أنا لا أشعر بالغلاء وأرى أن الأسعار في مطاعم رام الله عادية ومناسبة جداً ولا أشعر بارتفاعها “.

تكاليف خياليّة !

أصحاب المطاعم يدافعون عن أسعارهم معتبرين بأن الارتفاع بالأسعار يعود بشكل رئيسي إلى التكلفة العالية عليهم. فداء أبو حمدية، مديرة مطعم ” بيستو ” تقول بأنه ” يتم تحديد الأسعار في المطعم بناء على الجودة والموقع وأجور العمال والأدوات المستعملة، فكل هذه العوامل تلعب دوراً في وضع الأسعار، وأسعار مطعمنا مرتفعة باعتباره علامة تجارية ولكنها تتلائم مع نوعية الزبائن الذين يرتادونه حيث تعتبر مناسبة بالنسبة لهم، كما أنني لا أرى ضرورة لوجود رقابة على الأسعار، فأنا مع أن يكون هناك المطعم الغالي والمطعم الرخيص لليتناسب مع الأذواق المختلفة للناس “. أما فادي طه ، مدير مطعم يوروبيان ، فيقول : ” في رام الله الأسعار مرتفعة جداً من أجارات و ضرائب و فواتير وحتى أسعار المواد الغذائية ، وأنا أرى بأن الأسعار في المحل عندي تتناسب مع الوضع الاقتصادي للناس وتعتبر عادية مقارنة بغيرها “. وبخصوص وجود رقابة على الأسعار وتوحيدها قال طه : ” لا أجد هناك مشكلة في توحيد الأسعار والرقابة عليها ، بل على العكس من ذلك ، فهذه تعتبر خطوة جيدة و جميلة و أتمنى تطبيقها ” .

خلل قانوني

دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني تعتبر المسؤول الأول عن أسعار المطاعم في رام الله ولكن غياب آليات تحديد الأسعار يجعل من التلاعب بالأسعار أمراً سهلاً لأصحاب المطاعم. وفي هذا الإطار ، أوضح مدير دائرة الاقتصاد الوطني في محافظة رام الله والبيرة  نضال صدقة ، بأن أسعار الخدمات في مدينة رام الله بشكل عام وليس فقط في المطاعم مرتفعة وتعتبر أعلى من المدن الأخرى والسبب في ذلك هو أن رام الله أصبحت العاصمة الاقتصادية مما جعلها أغلى من المدن الأخرى أولاً ؛ و ارتفاع أجار المحال فيها ثانياً كما أنني لا أرى بأن الخدمات تتناسب مع الأسعار التي تضعها. وأضاف صدقة بأنه لا يوجد أي قانون لتحديد أسعار المطاعم ولكن هناك إجبار على إشهار الأسعار في المطاعم. موضحا أن قانون حماية المستهلك الصادر في العام 2005، والذي لم تكتمل لوائحه التنفيذية بعد لا يتضمن أي بند يتعلق بتحديد الأسعار،مشيراً إلى اأن السوق الفلسطيني سوقاً  مفتوحة تقوم على العرض والطلب “.

وحول وجود آليات تضمن عدم التلاعب بالأسعار قال صدقة : ” يجب أن يكون هناك آليات لعدم التلاعب بالأسعار في المستقبل ويجب كذلك أن تكون الأسعار السياحية خاصة بلمطاعم السياحية فقط ؛ فلا يحق لمطعم غير مصنف بأنه سياحي أو مطعم شعبي بأن يضع أسعاراً سياحية “. وأضاف صدقة : ” هناك لجان مراقبة وتفتيش بالتعاون مع لجنة السلامة العامة،  تقوم بالتفتيش على جودة السلعة والنظافة والخدمات المقدمة في المطاعم، بالإضافة إلى وجود شهادات صحية ، ومن جهته اعتبر صدقة المطاعم سلعاً ثانوية وليست أساسية موضحا بأن دور الوزارة يأتي في إطار تحديد أسعار السلع الأساسية حيث تم مؤخراً إعلان السقف الأعلى للسعر أو ما يسمى بالسعر الاسترشادي “.

اختلفت الآراء وتعددت الأسباب ولكن الأزمة واحدة ، فبين سعي المواطن لتوفير لقمة عيشه و بين  ارتياده المطاعم والمقاهي ذات الأسعار العالمية للترويح عن نفسه ، يعيش المواطن الفلسطيني حالة من التناقض ؛ تناقض يدفعه إلى صرف مبالغ كبيرة مقابل الحصول على ساعات معدودة من الراحة النفسية يهرب فيها من ضغوطات ومشاكل يومه .

nature

beauty of nature

حبات بلوط

التمازج بين نقاء الماء وروعة الشجر

التباين والاختلاف بين اللون الاخضر في الطبيعة

المياه تتخلخل الاشجار والغابات

صخور ونباتات رائعة داخل كهف

Blog at WordPress.com.

Up ↑